عبد الملك الجويني

152

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن أصحابنا من قال : إنه يرجع بها ( 1 ) ، [ بالمعنى ] ( 2 ) الذي يرجع بالدية إذا غرمها . [ والغائلة ] ( 3 ) العظمى في المسألة أن الأصحاب قالوا : إن حكمنا بأن الضمان يجب على القاتل المستناب ، فللعافي دية قتيله من تركة من قتله المستناب ، وهذا لائح . وإن قلنا : لا غرم على المستناب ، فلا حق للعافي في تركة القتيل ، فإنا لو أثبتنا الدية في تركته ، وأهدرنا ديته ، كان ذلك بعيداً . وهذا ليس بشيء والوجه أن نقول : إن حكمنا بوقوع القتل قصاصاً - وهو بعيد عن القياس - فلا شك أنه لا يثبت في تركته ضمان ، فإن أخذنا المسألة من نفوذ العفو ، وتمهيد عُذر المستناب وتنزيل ما جرى منه منزلة قتل الأسير في دار الحرب ، فالوجه القطع على هذه الطريقة [ بأن ] ( 4 ) العافي يستحق الدية في تركة القتيل المقتول بعد العفو عنه ، ثم يقع قتله هدراً من جهة وقوعه والقاتلُ معذور ، كما ذكرناه في الأسير ، حتى كأنه مات حتف أنفه ، ولا نظر إذا لاح مسلك القياس إلى الاستعارات التي لا حاصل لها . فإن قيل : إذا أوجبتم الدية في مال المستناب ، فهي حالّة أم مؤجلة ؟ قلنا : اختلف أصحابنا في المسألة : فمنهم من قال : هي حالة ، فإنها مقتطعة عن قياس دية الخطأ وشبه العمد ، وكذلك لم تضرب على العاقلة ، ومنهم من قال : هي مؤجلة ؛ فإن الدية إنما تتعجل إذا وجبت بسبب عدوان هو عمد محض ، ولا ينسب المستناب إلى العمد المحض على وجه العدوان ، وسنبين هذه القواعد في كتاب الديات ، إن شاء الله عز وجل .

--> ( 1 ) بها : أي الكفارة . ( 2 ) في الأصل : " فالمعنى " . ( 3 في الأصل : " والعاقلة " . ( 4 ) في الأصل : " فإن " .